الثلاثاء 07 كانون أول 2021

مقالات

تكرار المشهد في لبنان.. بين ديتلف ميلس الألماني.. وديتلف ميلس اللبناني؟

تكرار المشهد في لبنان.. بين ديتلف ميلس الألماني.. وديتلف ميلس اللبناني؟

أ. ناجي صفا

التاريخ ,

في حزيران العام ٢٠٠٤ قرر الاميركي والفرنسي قلب المعادلة في لبنان والمنطقة بعد فشل مهمة كولن باول في ترهيب الرئيس الأسد واخضاعه ، ذهبوا الى مجلس الامن واستصدروا القرار ١٥٥٩ الذي يخدم اجندتهم ، تريث الرئيس الحريري الأب وارتاب من حجم المخطط،  قرروا ازاحته بالإغتيال واستثمار ذلك لتدعيم المخطط ، اخرجت سوريا من لبنان ، ورفعت صور المتهمين قبل توفر الدليل ، وابرموا اتفاق الحلف الرباعي مع حزب الله لهدفين :

الاول : عدم الإصطدام به ومحاولة تحييده لاكمال المعركة بوجه سوريا .

الثاني : الحصول بواسطته على الأغلبية النيابية التي تمكنهم من التحكم بالقرار السياسي .

لم يدم الأمر طويلا ، سرعان ما اكتشف حزب الله انهم يحفرون  بخبث وبتخطيط اميركي ، انسحب من الحكومة نتيجة تحكم الأكثرية التي ساهم في انتاجها بالقرار  ، اصدرت الولايات المتحدة بعد ذلك امرها لإسرائيل للقيام بحرب العام ٢٠٠٦ لازالة حزب الله من الوجود والتفرغ لسوريا ، لم تأت النتائج كما توقعوا، هزمت اسرائيل ، لكن المخطط لم يتوقق ، جرى بالترافق مع ذلك تعيين ديتلف ميلس محققا في جريمة اغتيال الحريري ، عطل ديتلف ميلس القضاء والسلطات الامنية والعسكرية وتفرد بإصدار مذكرات التوقيف وسوق الإتهامات ، وضع الضباط الاربعة في السجن لأخذ التحقيق بالإتجاه الذي يخدم الاجندة الاميركية ، احرجت المحكمة الدولية جراء انكشاف عمليات التزوير وتبين براءتهم فاخرجوا من السجن .

لم تفلح المحكمة الدولية التي شكلت في اتمام المخطط بسبب اختلالات منهجية استقصائية جرى اللجوء اليها وبخاصة شهود الزور الذين ضربوا صدقية المحكمة .

توالت المحاولات فكان الربيع العربي الذي فشل بدوره في قلب المعادلات لا سيما في سوريا التي صمدت وقاتلت وانتصرت ، لكنها انهكت وحوصرت ، ازداد الحقد على حزب الله الذي كانت له مساهمة قيمة في الإنتصار السوري ، وحيث ان سوريا محاصرة ومنهكة وربما هي عاجزة سواء عن التأثير في المحيط او رفد حزب الله فلا بد من اعادة البوصلة لإستهداف حزب الله وانهاكه .

جرى اختراع الاسباب لتفجير انتفاضة ١٧ تشرين ، التي انخرط بها جموع كبيرة من اللبنانية ، بعضهم بحسن نية بسبب الواقع المزري ، والبعض الآخر في سياق مخطط الإستدراج والأستهداف لحزب الله الذي تنبه للمخطط وخرج من الساحة رافضا الإنجرار .

سرعان ما بدأ المخطط بالإنكشاف مع الشعارات التي بدأت ترفع في الساحات حول السلاح والقرار ١٥٥٩ وتعليق المشانق وسواها من الشعارات التي رفعت ، ومرة اخرى تجاوز حزب الله القطوع ولم يستدرج لحرب اهلية جرى التخطيط لها ، مياه كثيرة جرت وحزب الله يراقب ولا يتورط بالصراع رغم محاولات تأليب بيئته عليه واستهدافها مع بقية اللبنانيين بقصد تحميل مسؤولية الازمة لحزب الله ، ومرة اخرى فشلت المحاولة رغم قساوتها المعيشية على المواطن ، فكان لا بد من رفيق حريري ج

ديد يجري تفجيره وتحميل المسؤولية لحزب الله ، فكان انفجار المرفأ . .

بدأت محاولات الاستثمار السياسي لجريمة المرفأ من اللحظة الاولى ، اصوات ترتفع بالمطالبة بتحقيق دولي على النسق الذي شاهدناه في قضية اغتيال الحريري ، انهم يبحثون عن ديتلف ميليس جديد ، وحيث ان المعادلات لا تسمح بذلك فقد تم استحضار ديتلف ميلس لبناني اسمه طارق البيطار .

حاول ديتلف ميلس اللبناني انتهاج سلوك ديتلف ميلس الألماني لجهة الإستنسابية في التحقيق ، فإذا كان ديتلف ميلس الالماني اختار الضباط الاربعة ووضعهم في السجن لحرف التحقيق ، فان ديتلف ميلس اللبناني سار على نفس المسار بمحاولة وضع ضباط اربعة لكنهم من غير نجوم في السجن هم علي حسن خليل ، وغازي زعيتر ، ويوسف فنيانوس ، وحسان ديان ، متجنبا مقاربة البعد المنطقي في التحقيق في تركيز البحث اولا حول من اتى بالمواد ، ومن اوصل السفينة الى لبنان ، وضمن اية اهداف ووظيفة ، وحصر تحقيقاته بالمقصرين الإداريين لتوجيه الاستهداف باتجاهات يبدو انه متفق عليها سلفا ، تجاهل التركيز على عملية التفجير ، كيف جرت ، وهل من تدخل خارجي او نتيجة اهمال،  واستطرادا تحديد اسباب وشكل والعناصر التي ادت الى التفجير .

الإستنسابية المفرطة التي اعتمدها القاضي بيطار تشير بوصلتها نحو توجيه الإتهام نحو حزب الله لمحاولة تلبيسه الجريمة ، تأتي بالتماهى مع المخطط الاميركي الذي عمل عليه منذ جريمة اغتيال الرئيسالحريري ، تشويه سمعة حزب الله، ليجري مجددا صرف ذلك في الإنتخابات النيابية القادمة،  وتقريشه اكثرية نيابية جديدة خرجت من يدها في انتخابات العام ٢٠١٨ ، تلك الاكثرية تضمن للولايات المتحدة عملية ترسيم الحدود لصالح العدو الصهيوني ، والتحكم بقرارات الحكومة القادمة ، وانتخابات رئاسة الجمهورية ، ووصولا الى عمليات التطبيع انسجاما مع الواقع السائد في المنطقة ، والتحكم بعملية استخراج الغاز والنفط وفقا للمصالح الإسرائيلية – الاميركية ، وربما ضم لبنان لاحقا الى مشروع انبوب شرق البحر الابيض المتوسط بقيادة اسرائيل .

استعجل ديتلف ميلس اللبناني في حرق اوراقه ، ربما كان ينقصه بعض الحرفية اكثر لتمرير مخططه ، لذا اضطرت الإدارة الاميركية للتدخل مرتين لتغطيته ، الاولى عندما اصدر الكونغرس بيانا يشيد فيه بكفاءة ومهنية ومناقبية المحقق طارق البيطار ، والثاني عندما استنكرت ما اسمته الضغط والترهيب الذي يمارسه حزب الله على المحقق بيطار وذلك ردا على خطاب سماحة السيد نصرالله .

الآن الامور على المحك بعد تقديم اكثر من اعتراض ورد للقاضي بيطار ومحاولة كف يده عن الملف بسبب الريبة ، فكما قال سماحة السيد ، اما ان ينبري مجلس القضاء الاعلى لمعالجة الموضوع ، واما ان يلجأ مجلس الوزراء لذلك.

بالامس كان النقاش صريحا وحادا في جلسة مجلس الوزراء حول تصرف المحقق بيطار ،  استدعى ذلك تأجيل الجلسة الى اليوم لحسم الموضوع ،  سيضع ذلك الحكومة على كف عفريت ، اما المعالجة الموضوعية واما انهيار الحكومة والعودة الى الفراغ .