الأحد 17 تشرين أول 2021

أخبار حقوقية-المنتدى القانوني

ملاحظات حول اقتراحيْن بزيادة عوامل الاستثمار: طابق المرّ وأخواته

ملاحظات حول اقتراحيْن بزيادة عوامل الاستثمار: طابق المرّ وأخواته

المفكرة القانونية - المرصد البرلماني لبنان

التاريخ ,

يعدّ المرصد البرلماني في المفكرة القانونية تقريراً كاملاً عن أعمال المجلس النيابي والمبادرات النيابية لفترة 2019-2020. وقد باشرت المفكرة نشر أهم مواده تنبيهاً للرأي العام وبهدف إشراكه في صناعة القوانين أو التصدّي لما قد يشكّل إضراراً بالصالح العام. أعددنا هذه المقالة بالشراكة مع استديو أشغال عامّة وهي تتناول اقتراحين ذهبا في اتّجاه تشريع الأبواب أمام زيادة عوامل الاستثمار لقاء ضريبة تحسين، ومنح “طابق مرّ” جديد في كلّ المناطق اللبنانية (أي السماح بتشييد طابق إضافي من دون احتسابه في معدّلات الاستثمار وعدد الطوابق والارتفاع الأقصى) وهما اقتراحان يمضيان في الوجهة المعتمدة منذ سقوط العهد العثماني باعتبار الأرض “كسلعة” وتقويض وظيفتها الاجتماعية على اعتبارها مكان العيش ومصدر الحياة (المحررّ).

تشريع الأبواب أمام زيادة عوامل الاستثمار لقاء ضريبة تحسين

نتناول هنا اقتراحاً مقدّماً من النائب طوني فرنجية (المردة) في 1/12/2020 لتعديل المادّتين 13 و16 في قانون التنظيم المدني. تنصّ المادّة 13 الحالية على أنّه “يجوز إعادة النظر في التصاميم وأنظمة المدن والقرى، بكاملها أو بجزء منها، وفقاً للشروط والصيغ المنصوص عليها في المواد 10 و11 و12 من هذا المرسوم الاشتراعي”. ويعمد الاقتراح إلى تعديل المادة 13 عبر فرض – عند زيادة الاستثمار – ضريبة تحسين على المالك نسبتها 30% من قيمة التحسين، على “العقارات التي يزداد فيها عامل الاستثمار”. يضيف أنّ هذه النسبة تحتسب “على أساس سعر الأرض المعتمد لتحديد رسم الترخيص” وتُدفع عند الحصول على الترخيص. ويحدّد كيفية وجوب الاحتساب. كما ويعفي المالك من أيّ ضريبة في حال عدم رغبته في “استثمار هذه الزيادة في عامل الاستثمار”. والأهمّ هو اقتراح النص بأن تحصّل هذه الضريبة “لصالح صندوق مستقل ينشئه مجلس الوزراء” ويهدف إلى التعويض على “أصحاب العقارات التي يمنعون من استثمارها كالتي تصنّف محميات” (….). وأخيراً يعدّل الاقتراح المادة 16 (التي تنصّ على إمكانية وضع “تصاميم تصنيف المناطق” تحدّد قطاعات يحتفظ بها لأنواع معيّنة من الاستعمالات وتحدّد عوامل الاستثمار المسموح بها فيها) من خلال إضافة “المادة 13” إلى المواد التي يقتضي مراعاة شروطها عند تحديد التصاميم (وهي فقط المواد 10، و11 و12 في الصيغة الحالية).

تبرّر الأسباب الموجبة تقديمه بأنّ “زيادة عامل الاستثمار عند تصنيف الأراضي يؤدي إلى ازدياد في أرباح المستثمر ممّا يحتّم عليه أن يدفع ضريبة عليها”، وأنّ “إنشاء الصندوق المستقلّ سوف يؤدّي إلى التعويض على مالكي الأراضي التي يخفّض تصنيفها والاستملاكات التي تعنى بالحفاظ على الأبنية الأثرية وإنشاء المحميّات الطبيعية”.

تشكّل ضريبة التحسين ضريبة مباشرة تفرض على الزيادة في قيمة العقارات الناتجة مباشرة عن تنفيذ مختلف الأشغال العامّة، وينشأ عنها امتياز لمصلحة الخزينة على العقار المحسّن (المادة 45 من قانون الاستملاك 1991). وتعدّ تحسيناً، الزيادة التي تطرأ على قيمة العقار أو الجزء من العقار من جرّاء قيام المشروع منذ تاريخ إعلانه من المنافع العامّة حتى تاريخ وضعه قيد الاستعمال وتحسب هذه الزيادة بالمقارنة مع قيمة العقارات التي لم يتناولها التحسين (المادة 46). تفرض ضريبة التحسين من قبل دائرة ضريبة التحسين في مديرية الواردات في وزارة المالية على مالك العقار المحسّن، بالاستناد إلى قرارات اللجان بتحديد قيمة التحسين.

تشكّل ضريبة التحسين عنصراً في أيّ سياسة عقارية، ويجب أن تكون شاملة ومتكاملة، ولا يجب أن تقتصر عليها. في لبنان، نفتقد إلى سياسة عقارية تضع حدّاً لارتفاع ثمن الأرض[1]، وتمنع احتكار الأرض، وتمنع إبقاءها شاغرة، وتفرض ضريبة على الملكية العقارية. وفي المبدأ، يجب أن تذهب ضريبة التحسين نحو المشاريع ذات المنفعة العامّة، كتلك الإسكانية أو غيرها. إنّما المفارقة في هذا الاقتراح أنّه يعمد إلى تخصيص نتاج هذه الضريبة لفائدة مصالح خاصّة، من ناحية التعويض على مالكي العقارات التي يخفّض تصنيفها أو التي تصنّف أثرية أو محميّة. وفي ذلك تناقض تام مع مفهوم التنظيم المدني الذي قامت الدولة اللبنانية على تبنّيه عبر قوانين ومؤسسات أُنشئت منذ عهد الاستقلال، مع ما رافقه من تكريس لسمو الحق العام على الملكيّة الخاصّة. فوضع الضوابط والتوجيهات لتنظيم عمليات البناء واستخدامات الأراضي هو اعترافٌ ضمنيٌ بوجود حقٍ عامٍّ متقدّمٍ على أيّ ملكية لعقارٍ خاص، وهو جزءٌ من القيمة الاجتماعية المشتركة للأرض، والمكرّسة في قانون التنظيم المدني عبر مبادئ المصلحة العامّة أو الهوية المشتركة التي يجب أن تُراعى قبل إصدار أيّ ترخيصٍ للبناء. ويعود ذلك إلى أنّ ملكيّة الأرض تتميّز بخصوصية محتواها ودلالاتها، ولا يمكن تصنيفها كأيّ سلعةٍ تقليدية، فهي ببساطةٍ مكان العيش ومصدر الحياة. والواقع أنّ تحويل الأرض إلى ملكيّةٍ “عقارية”، يعني دوماً تحويلها إلى سلعةٍ قابلةٍ للتبادل، مع ما لتوسّع استخدام مصطلحات “السوق العقارية” “والملكية العقارية” وغيرها، من تأثير للحثّ على القبول بالأرض كسِلعة. بالإضافة إلى ذلك، فقد وقّعت الدولة اللبنانية على “الميثاق العالمي للحق في المدينة”[2] الذي تؤكّد المادة الثانية من أحكامه العامّة أنّه “ينبغي أن تعلو المصلحة الاجتماعية والثقافية الجماعية فوق حقوق الملكية الفردية ومصالح المضاربة، أثناء صياغة وتنفيذ السياسات الحضرية”. وتنصّ المادة الخامسة على أنّه ينبغي أن تعمل المدن على وضع “الأولوية للإنتاج الاجتماعي للموئل، وأن تضمن الوظيفة الاجتماعية للمدينة والملكية”. من هذا المنطلق، فإنّ مفهوم التعويض على مالكي العقارات، في حال نُفّذت تنظيمات للصالح العام، هو بمثابة خرق لمبدأ التنظيم المُدني.

إلى جانب ذلك، تكمن إشكاليّته الإضافية في خطورة “تحصيل هذه الضريبة لصالح صندوق مستقل يُنشئه مجلس الوزراء”، مع ما للبنان من تجارب مريرة مع “الصناديق” المختلفة التي شكّلت أرضية خصبة للفساد والتنفيعات، كمجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب وصندوق المهجّرين والهيئة العليا للإغاثة. فلطالما استخدمت السلطة الصناديق والمجالس كمظلّة للإنفاق الموازي خارج الآليات الإدارية والقانونية والأطر الرقابية.

خلافاً للاعتبار السائد بأنّ عامل الاستثمار هو جزء من سعر الأرض وعلى عكس تقديم التعويضات، علينا إرساء سياسة للأرض تقرّ بقيمتها الاجتماعية، وذلك عبر:

– جعل الوظيفة الاجتماعية للملكيّة أحد المبادئ الرئيسة للاقتصاد الوطني، بحيث نضمن تمتّع الجميع بحياةٍ كريمةٍ تتوافق ومبادئ العدالة الاجتماعية؛

– تطبيق “الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية” باعتبارها تتضمّن سياسة تنموية متكاملة تحدّد الاستخدام الملائم للأرض والموارد البيئية والمصادر الطبيعية على أساس قيمتها الاجتماعية؛

– ضمان حق جميع سكان المدن في الانتفاع الكامل من كافة مواردها من دون تمييز، بما في ذلك إتاحة الوصول إلى المواقع الطبيعية، والمرافق العامّة، والمساحات المشتركة والخدمات الأساسية؛

– منح الأولوية للسكن والعمل في الأرض بدلاً من إخضاعها للمضاربة العقارية؛

– جعل تنظيم الأراضي وإدارتها عمليةً ديمقراطيةً وتشاركيةً بهدف الحفاظ على الإطار السياسي الذي يرعى القيمة الاجتماعية للأرض؛

– تغليب الوظيفة الاجتماعية للمُلكيّة لدى التصرّف بها، بما في ذلك إصدار رخص البناء والهدم والاستملاك؛

– وضع نظامٍ ضريبي عادلٍ يحدّ من المضاربات العقارية ويشمل الضرائب التصاعدية على الأراضي الموجودة في المناطق العمرانية، والضرائب على الأراضي غير المبنيّة أو غير المستخدمة، والضرائب على الأملاك المبنية الشاغرة.

طابق “مرّ” جديد

نتناول هنا اقتراحاً قدّمه النوّاب جوزف إسحق (القوّات اللبنانية)، والنائب فيصل الصايغ (الحزب التقديميّ الإشتراكيّ)، والنائب حكمت ديب (التيار الوطنيّ الحرّ) والنائب محمد خواجه (حركة أمل)، والنائب نزيه نجم (تيّار المستقبل) والنائب حسين جشّي (حزب الله)، في 31/7/2019. وللتذكير، وضع الاقتراح على جدول أعمال جلسة 24/9/2019 حيث أسقطت عنه صفة العجلة وأحيل إلى لجنة الأشغال العامّة التي أنجزت دراسته بتاريخ 18/12/2019.

يُجيز اقتراح القانون إضافة طابق جديد، على الأبنية الموجودة أو المُستحدثة، وذلك في كلّ المناطق اللبنانية، من دون احتسابه في معدّلات الاستثمار وعدد الطوابق والارتفاع الأقصى، وفق شروط فنيّة معيّنة، إضافةً إلى شروطٍ أخرى بحسب المناطق. في المقابل تُستثنى منه المناطق التي تَفرض شروطاً خاصّة للبناء، والمخصّصة للفيلات أو للسكن الخاص، والأبنية التي استفادت من قوانين استثنائية بارتفاعات أو بعدد طوابق، وتلك التي خضعت لقوانين تسوية مخالفات البناء سابقاً. ويتوّجب على المستفيدين دفع نسبة مئوية من قيمة الأرض الوهمية المطلوبة لتأمين مساحة الطابق المذكور أعلاه، توّزع على الشكل التالي: 20% من الرسوم لحساب صندوق الخزينة المركزي، 60% لحساب المؤسّسة العامّة للإسكان، 20% لحساب البلدية المعنية.

منذ تشكيل حكومة “الوحدة الوطنية” الأخيرة قبل ثورة 17 تشرين، ونيلها الثقة في شباط 2019، انصبّ تركيزها على موضوع العجز في الموازنة العامّة. وتركّز نشاطها على إيجاد السبل المناسبة لخفض الإنفاق. في المقابل، اجتهدت هذه الأخيرة لتأمين إيرادات إضافية تغذّي خزينة الدولة، فاتّجهت نحو قطاع البناء (مخالفات البناء، الاعتداءات على الأملاك العامّة البحرية، إلخ…) لتأمين بعض العائدات المالية. وبذلك خلصت لجنة الأشغال العامّة والنقل والطاقة والمياه النيابية بعد جلسات عدّة إلى إقرار اقتراح قانون تحت شعار “البناء المستدام” لتأمين التمويل للمؤسّسة العامّة للإسكان، وتغذية صندوق الخزينة، كما ورد في أسبابه الموجبة. غير أنّه سقط سهواً استبدال المادة 67 من قانون الموازنة 2019 بالصيغة المتوافق عليها في هذه اللجنة، بحسب ما جاء في المذكّرة التعليلية المرفقة بالقانون، ولكون المادة 67 مختصرة ولا تغطّي موضوع البناء المستدام بشكلٍ كافٍ، تمّ اقتراح قانون معجّل مكرّر لتعديلها.

ليست هذه سابقة في تاريخ التشريع اللبناني يُطرح فيها مثل هكذا تشريع، فهو مستوحى بلا شكّ، ممّا عُرف بــ”طابق المرّ”[3]، ومشروع “طابق الميقاتي”[4] الذي لم يصل إلى خواتيم الإقرار. ولعلّ تبعات “طابق المرّ” تشكّل خير دليل على التداعيات السلبية التي تخلّفها مثل هذه القوانين، التي تقوم على مبدأ “شراء أرض وهمية”، أي إنّ الدولة تستوفي ثمن الأرض الإضافية التي خلقتها بموجب القانون. لا يتلاءم مبدأ الاستثمار مقابل ثمن، بتاتاً مع مبدأ التنظيم المدني لأنّه يكرّس منطق تسوية المخالفات كما حصل في التجارب السابقة. فعامل الاستثمار هو “أداة في يد الدولة لتنفيذ خطّة تنظيم لعدد الكثافة المسموح بها وأفضل الطرق لاستعمال الأرض ورسم سياسة الامتداد الطبيعية للتجمّعات الإنسانية في حقلَي الاجتماع والإنماء ممّا يسهّل تنفيذ التجهيزات التحتية في طريقة مناسبة”[5]. ويجرّنا انتهاك هذا المبدأ إلى سلسلة من التنازلات على حساب المصلحة العامّة. إضافةً إلى ذلك، استند اقتراح القانون، بحسب الأسباب الموجبة، على كون شروط ارتفاع ثكنة القرميد الواردة في قانون البناء لا تسمح السكن فيها، وتمنع فرزها، أو تسجيلها ضمن الأقسام المشتركة، ما يدفع إلى التحايل على القانون وبناء ثكنات القرميد بشكل غير قانوني وعشوائي، ما يشوّه المنظر العام للمدن والقرى ويحرم الخزينة إمكانية الاستفادة من بعض العائدات. ولا تشكلّ تلك الأعذار، إلّا أعذاراً واهية لتشريع مخالفة القانون.

 

يتّخذ هذا القانون من “البناء المستدام” شعاراً وتبريراً له لبناء طابق إضافيّ. وهو بذلك يفرّغ موضوع الاستدامة من مضمونه. فالقانون يتضمّن تصنيفات سطحيّة متعلّقة بالاستدامة، وقد مرّ عليها الزمن، إذ يدخل وصف البناء المستدام ضمن مفهوم التنمية المستدامة. كما يسمح الاقتراح بزيادة طابق على الأبنية بشكلٍ عشوائي، ما يزيد الكثافة والاكتظاظ السكاني، والتلوّث، ويشوّه البيئة المبنيّة في المدن والبلدات والقرى، ويفرض بالتالي عبئاً إضافياً على شبكات البنى التحتية المتوّفرة من مياه، كهرباء، وصرف صحيّ وشبكات طرق كما ومواقف سيارات. وبالتالي ستترتّب أعباء إضافية على الدولة والبلديات لاستيعاب هذه الكثافة المتزايدة. فنتائجه كارثية هي الأخرى على حياة الناس في رفاههم، وصحّتهم، وراحتهم، وسكنهم، وسهولة تنقلّهم… وهو لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الاقتصاديّ – الاجتماعيّ والبيئيّ، ما يشكّل مخالفة صارخة للمبادئ الأساسية للاستدامة.

أبعد من ذلك، تضمّنت الأسباب الموجبة أيضاً تبرير الاقتراح بأنّ “مساحة الأراضي القابلة للبناء في لبنان محدودة، الأمر الذي يؤدّي إلى تفاقم مشكلة السكن”. فهو بالتالي يزعم تأمين شقق سكنيّة إضافية، فيما أكثر من 150 ألف شقة لا تجد من يشتريها[6] من جهة، ومن جهةٍ أخرى ستترافق إضافة طابق جديد مع زيادة حركة المضاربة العقارية، وارتفاع أسعار الأراضي ومعها أسعار الوحدات السكنية. والادّعاء بأنّ زيادة الكثافة السكانية تزيد العرض من الوحدات السكنية وبالتالي تقلّل من ثمنها، هو ادّعاءٌ خاطئ. في لبنان، لا تُحدّد أسعار الوحدات السكنيّة على أساس العرض والطلب، بل تقوم على حماية الاستثمارات، بما في ذلك المضاربة العقارية. فنلاحظ أنّه في عام 2004، تمّ اقتراح حجّة مماثلة لتبرير معدّلات البناء المرتفعة التي تمّ تبنّيها. وفي عام 2006، تضاعف سعر المتر المربع من الأراضي المبنية. كما يعطي اقتراح هذا القانون امتيازاً لمالك الأرض والمطوّر العقاري ومتعهّدي البناء عبر إعطائهم فرصة الاستفادة من طابقٍ إضافيّ. ما يؤدّي أيضاً إلى رفع قدرة المتموّلين على حساب ذوي الدخل المحدود، وعلى حساب البيئة المبنيّة والحياة اللائقة والصحية للسكان.

وأخيراً، يؤدّي اقتراح القانون إلى تشويه الطابع العمراني في المناطق، إذ يفرض طابقاً جديداً ذا سقف منحدر على شكل ثكنة مُغطّاة بالقرميد في المناطق المحدّد فيها عدد الطوابق والارتفاع، ما يؤدّي إلى فرض طابع معماري واحد في عددٍ من المناطق، بمعزل عن خصائصها ونوعية البناء فيها (التراث المعماري الحديث، البنايات المرتفعة والأبراج). في المقابل، من الملفت أن يَستثني مشروع القانون “المناطق التي تَفرض شروطاً خاصّة للبناء” مثل منطقة سوليدير، لا بل بدا المشروع كأنّه يهتمّ بهذه المنطقة ويميّزها عن غيرها. إنّ إبقاء منطقة وسط بيروت خارج هذه المعادلة له هدف واضح يكمن في الحفاظ عليها كمرتع للمالكين فيها من أثرياء القوم وكبارهم في لبنان والدول العربية، كما وحمايتها من التشويه الذي قد يطالها. فكان من الأبدى إظهار الحرص نفسه في حماية البيئة المبنية في كافّة أنحاء البلاد.

عندما يتفقّ صنّاع القرار من مختلف الكتل النيابيّة المتناحرة أساساً، عبر ممثلها في اللجان[7]، ويقترحون مثل هذا القانون، فإنّ ما يجمعهم لا يكون عادةً المصلحة العامّة. وفكرة إنتاج أراضٍ وهمية على مجمل مساحة الوطن بهدف تأمين إيرادات مالية ملحّة (وأوضحت الأسباب الموجبة أنّها ستقسّم بين المؤسّسة العامّة للإسكان التي تعاني من عدم توفّر الموارد، والبلديات والخزينة العامة)، تحت ضغط الأزمة المالية، يأخذ بعين الاعتبار جانباً وحيداً من الدينامية التنظيمية ويهمل الجوانب الأخرى سواء كانت اجتماعية أو بيئية أو طبيعية. لم يرسم هذا الاقتراح أيّ هدف سوى توفير الموارد بأيّ طريقة ممكنة، من دون أي دراسة واقعية لآثاره، وعلى حساب مبادئ أساسية أخرى. وهو يبيّن القصور في فهم مبادئ وشروط إدارة المالية العامّة ودور البيئة الطبيعية والبيئة المبنيّة في دعم الاقتصاد الوطني[8]. وينمّ الاقتراح عن نظرة السلطات إلى العقارات كمواد استهلاك تطبيقاً لأسس الريع العقاري. فكان من الأجدى أن يتمّ فرض ضرائب على المضاربة العقارية على سبيل المثال، عوضاً عن اقتراح مثل هذا القانون. كما تعطي السلطات الأولوية لجباية ضرائب قد تنفع آنيّاً وعلى المدى القريب لتغطية جزء من العجز المزمن في الموازنة العامّة، ولكن على حساب الاستثمار في تكوين بيئة صحيّة مفيدة نحصد نتائجها على المدى البعيد.

  1. في هولندا على سبيل المثال، هناك نوعان من الأرض: الأراضي الزراعية والأراضي المخصّصة للبناء. اليوم الذي يسمح في البناء في الأرض الزراعية،

    تستملكها الدولة بسعر الأرض الزراعية وتؤجّرها لمن يريد البناء فيها مقابل إيجار سنوي. هكذا تمنع المضاربات وانعكاسها على السكن، فلا ترتفع أسعار المساكن. النظام الفرنسي لمكافحة غلاء الأراضي صنّف أراضي فرنسا على أساس أنّ 25% منها أحراش، و65% زراعية ممنوع البناء فيها، و4% مسموح بشروط، و6% مسموح. للأراضي المسموح فيها البناء، وهي قليلة جداً، أخذت السلطة العامّة حق الشفعة وهو الذي جمّد أسعار الأراضي. أي أنه إذا أراد صاحب الأرض بيعها، عليه التصريح بذلك للسلطة العامّة، والسلطة العامّة تقرّر السماح بالبيع أو لأ. وفي أكثر الحالات ترفض وتعطي صاحب الأرض الخيار بأن يبيعها للسلطة العامّة نفسها. وبذلك تمّ منع ارتفاع سعر الأرض. في البلاد الاسكندنافية مثلاً، ممنوع قانونياً أن تجني ثروة من الأراضي. في إيطاليا، هناك فصل تام بين الأرض وحق البناء. فالبلدية هي التي تحدد السعر وتبني. 

  2. الميثاق العالمي للحق في المدينة، من أجل بناء موئل يتلاءم مع حقوق الإنسان (المنتدى الاجتماعي العالمي – يناير 2001 // المنتدى العالمي/مشاورات التحالف الدولي للموئل – يناير 2002 // المنتدى العالمي/مشاورات التحالف الدولي للموئل – يناير 2003 // المنتدى الاجتماعي العالمي للأمريكيتين – كيوتو – يوليو 2004 // المنتدى العالمي للحضر – برشلونة -أكتوبر 2004 // المنتدى الاجتماعي العالمي – بورتو أليغري – يناير 2005 // وما تمّ من نقاشات خلال مرحلة التحضير في برشلونة – سبتمبر 2005. 
  3. قانون صادر في 17-5-1980 أجاز لأصحاب العقارات زيادة طابق ضمن شروط محددة. عُرف شعبياً بتسمية طابق المرّ نسبةً لوزير الإسكان والتعاونيات ميشال المر الذي ابتدعه وتولّى هذه الحقيبة بين العامين 1979 و1980. 
  4. مشروع قانون “البناء الأخضر” هو الاقتراح الذي أنجزه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وفريقه والذي يعود ريعه لتمويل كلفة سلسلة الرتب والرواتب. يقوم هذا المشروع على تشجيع الأبنية الخضراء، في مقابل حوافز محدّدة للاستثمارات. فيعطي الحق في زيادة مساحات البناء للمباني الجديدة فقط، لكنّها زيادة متفاوتة بحسب قواعد تنظيم كلّ منطقة على حدة. 
  5. ملاحظات مجلس الإنماء والإعمار والتنظيم المدني ونقابة المهندسين على مشروع الوزير المرّ، جريدة النهار، 4 كانون الثاني 1980. 
  6. “طابق المرّ” مجدداً: “تركيب طرابيش” لتمويل الإسكان، الأخبار، 4 آذار 2019. 
  7. النواب الذين اقترحوا هذا القانون هم: النائب جوزف إسحق (القوات اللبنانية)، النائب فيصل الصايغ (الحزب التقديميّ الإشتراكيّ)، النائب حكمت ديب (التيار الوطنيّ الحرّ، النائب محمد خواجه (حركة أمل)، النائب نزيه نجم (تيّار المستقبل) والنائب حسين جشي (حزب الله). 
  8. منى فواز، تفضيل المكاسب السريعة على التنمية الطويلة الأمد للبيئة المبنية في لبنان، المركز اللبناني للدراسات، حزيران 2019. 
  9.