الثلاثاء 07 كانون أول 2021

أخبار حقوقية-المنتدى القانوني

ماذا بعد سقوط جلسة الاتهام النيابي؟

ماذا بعد سقوط جلسة الاتهام النيابي؟

المفكرة القانونية

التاريخ ,

سجّل حراك أهالي ضحايا جريمة تفجير مرفأ بيروت نقطةً ثمينةً في مرمى القوى السياسية التي ما فتئت تطلق المناورة تلو الأخرى للتشويش على التحقيق الذي يقوده المحقّق العدلي القاضي طارق بيطار تمهيدًا لإفلات بعض رموزها من العقاب. فمباشرةً بعد دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري لجلسة نيابية للبحث بطلب الاتهام النيابي الموقع من عدد من النواب بحق الأشخاص المشتبه بهم (وهم رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب والوزراء السابقين نهاد المشنوق، علي حسن خليل، غازي زعيتر، ويوسف فنيانوس)، نشر أهالي الضحايا بيانًا دعوا فيه النواب إلى مقاطعة هذه الجلسة والتي نعتوها بجلسة العار كون التصويت سيحصل سرًا وأنه يخشى في حال حصوله أن يؤدي إلى مصادرة الملف من القضاء العدلي. استجابت عدد من الكتل النيابية والنواب المستقلين مع طلب الأهالي مما أدى بالنتيجة إلى سقوط الجلسة حيث لم يحضرْها سوى 39 نائبًا، وهو عدد يقلّ عن النصاب القانوني الواجب توفّره وهو 65.

نسعى هنا إلى الإجابة على عدد من الأسئلة:

  • ما مدى تأثير سقوط الجلسة على عمل المحقّق العدلي بما يتصل بملاحقة المشتبه بهم الخمسة؟
  • ما هي واجبات المجلس النيابي الآن؟
  • هل يُمكن الدعوة لجلسة جديدة؟
  • كيف يُمكن التحسّب حيال الدعوة إلى أي جلسة جديدة؟

1- ما مدى تأثير سقوط الجلسة على عمل المحقق العدلي؟

في حين أن الجلسة كانت تهدف إلى إنشاء تحقيق برلماني موازٍ للتحقيق القضائي مع ما يستتبع ذلك من تشويش عليه وتهريب المشتبه بهم من إلزامية الحضور أمام المحقق العدلي، فإن النتيجة الأولى لسقوطها هي تمكين هذا الأخير من مواصلة عمله من دون تشويش.

وفي هذا الخصوص، يقتضي التمييز بين دياب وفنيانوس واللذين يمكن للمحقق العدلي استدعاءهما في الموعد الذي يحدده من جهة، وكلا من زعيتر وخليل والمشنوق الذين يتمتعون بالحصانة النيابية المؤقتة وفق المادة 40 من الدستور والتي تمنع ملاحقتهم من دون الحصول على إذن مسبق من مجلس النواب خلال فترات انعقاده من جهة أخرى. وتجدُر الإشارة هنا إلى أنّ مجلس النواب يُعتبر في فترة انعقاد استثنائية حكمًا بعد استقالة الحكومة إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وعليه، تسقط حصانة هؤلاء في حال حصول التشكيل، أقله إلى حين حلول موعد انعقاد دورة البرلمان للنظر في الموازنة العامة في منتصف تشرين الأول.

2- ما هي واجبات مجلس النواب الآن؟

تبعاً للطلبات التي وجهها المحقق العدلي إلى مجلس النواب بهدف الترخيص له بملاحقة زعيتر وخليل والمشنوق، كان يفترض أن ترفع الهيئة المشتركة للمجلس (المكونة من لجنة الإدارة والعدل ومكتب المجلس) تقريرها إلى الهيئة العامة للمجلس خلال أسبوعين من تاريخ ورودها، على أن تدعى الهيئة العامة تبعا لذلك لبتّ الطلبات.

إلا أنه خلافا لهذه النصوص، رفضت الهيئة المشتركة اعتبار الطلبات مستوفية الشروط القانونية في تزوير واضح للمادة 91 من النظام الداخلي للمجلس النيابي، معتبرة أنه على المحقق العدلي أن يزوّدها ليس فقط بخلاصة عن الأدلة (وهو الأمر الذي فعله) ولكن أيضا بمجموع المستندات والبراهين على كل من المشتبه بهم.

وعليه، وفي ظل استمرار تقاعس الهيئة المشتركة خلافا لموجباتها عن وضع تقرير في هذا الشأن، فإنه يتعين على رئيس المجلس أن يدعو دون إبطاء الهيئة العامة للبت بهذه الطلبات سندا للمادة 93 من النظام الداخلي للمجلس. وهذا ما طالب به عدد من الكتل النيابية (أبرزهم كتلة الجمهورية القوية ولبنان القوي) والنواب (أبرزهم فؤاد المخزومي).

3- هل يُمكن الدعوة لجلسة جديدة؟

مبدئيا، بإمكان رئيس مجلس النواب نبيه بري الدعوة إلى جلسة جديد لبحث طلب الاتهام عقب عدم انعقاد الجلسة بسبب عدم تأمين النصاب. إلا أنه يقتضي التذكير مجدّدا بأن هذا الطلب يخالف بوضوح أحكام المادة 70 من الدستور ومبدأ فصل السلطات، طالما أن المحقق العدلي رأى أن الأفعال المنسوبة إليهم لا تشملها الإجراءات الخاصة المنصوص عليها في هذه المادة.

4- كيف يُمكن التحسب حيال الدعوى إلى أي جلسة جديدة؟

تحسّبا لأيّ مسعى لعقد جلسة جديدة، يقتضي بذل الجهد على ثلاثة محاور وهي تباعا:

  • تكرار الدعوة إلى مقاطعة الجلسة:

بالنظر إلى التصويت السري واحتمال فرض سرية الجلسة في مجمل إجراءاتها، يُخشى أن يعمد بعض النواب إلى استغلال السرية لاتخاذ مواقف عند التصويت مغايرة عن مواقفهم وتعهّداتهم العلنية تجاه الضحايا وذويهم والرأي العام. وعليه، فإن الضمانة الوحيدة لإثبات صدقية تعهدات النواب هي مقاطعة الجلسة.

  • التحسب حيال التلاعب المرتقب بخصوص النصاب والتصويت:

بمناسبة الدعوة للجلسة بتاريخ 12 آب، نُقل في الإعلام عن رئيس مجلس النواب نبيه بري مواقف تفيد أنّ النصاب المطلوب هو 59 والذي يمثل أكثر من نصف عدد النواب الأحياء وغير المستقيلين (117)، وليس 65 نائبًا الذي يمثل أكثر من نصف عدد النواب القانوني. كما لم يشر أحد إلى عدم جواز احتساب النواب المشتبه بهم أو النواب الأعضاء في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ضمن النصاب والأكثرية.

وعليه، ثمة أهمية لتثبيت المعلومات الآتية منعا لأي تلاعب مستقبلي ممكن:

  • أنه من الثابت أن النصاب الضروري لانعقاد الجلسة يبقى هو هو أي 65 بمعزل عن الوفيات أو الاستقالات. وهذا ما بيناه تفصيليا في مقال آخر،
  • أنه من الثابت أن انتخاب أعضاء أصيلين أو احتياطيين في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء إنما يمنع عليهم المشاركة في النظر في طلبات الاتهام، كما يمنع تعدادهم عند احتساب النصاب. وذلك سندًا للمادة 39 من قانون أصول المحاكمات لدى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (“المحاكمة لدى المجلس الاعلى…. تتبع فيها أصول المحاكمات لدى محكمة الجنايات”) معطوفة على المادة 234 من قانون أصول المحاكمات الجزائية (“لا يجوز أن يشترك في تشكيل محكمة الجنايات من سبق له أن مارس في الدعوى عملا من أعمال الملاحقة أو التحقيق أو كان عضوا في الهيئة الاتهامية التي وضعت قرار الاتهام فيه”) ،
  • أنه من الثابت أن المطلوب اتهامهم الثلاثة يشاركون فيها بصفتهم هذه للدفاع عن أنفسهم وليس بصفتهم نواب مدعوين لاتخاذ موقف من طلب اتهامهم. وعليه، من غير الجائز احتسابِهم ضمن النصاب أو الغالبية.
  • أن الأكثرية المطلوبة لقبول طلب الاتهام هي الأكثرية المطلقة من أعضاء مجلس النواب وفق صراحة المادة 22 من أصول المحاكمات لدى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء التي نصت حرفيا على الآتي: “يقرر المجلس النيابي بالأكثرية المطلقة من أعضائه إما إحالته فورا إلى لجنة نيابية خاصة تدعى “لجنة التحقيق” قبل التصويت على طلب الاتهام أو رده”. ومن البين أن الأغلبية المطلقة تعني من دون ريب أغلبية العدد القانوني للنواب وهي 65 نائبا.
  • التأكيد على أنّ طلب الاتهام هي مناورة احتيالية

لا بد من إعادة التأكيد على أنّ الطلب هي مناورة تقوم فيها القوى السياسية لمصادرة الملف من المحقق العدلي وتهريب المشتبه بهم من قبضته.