الخميس 16 أيلول 2021

مقالات

ماذا يحدث في المغرب العربي؟

ماذا يحدث في المغرب العربي؟

دكتور محيي الدين عميمور

التاريخ ,

دكتور محيي الدين عميمور

أجد نفسي اليوم مضطرا للتوقف عند عناصر الشنآن بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية وهو أهم مشاكل المغرب العربي، وأتوقف لسببين رئيسين، أولهما مواجهة الاتهامات المتزايدة بأننا مقصرون في شرح وجه نظرنا مما تسبب في مواقف اتخذها بعض الأشقاء هنا وهناك تناقضت مع أبسط قواعد الشرعية الدولية والمواثيق الإفريقية بل والاتفاقيات الثنائية، والثاني هو أن بعض الأشقاء يلجأون، في مجال الدفاع عن قضية قد يرونها عادلة، إلى سفسطات واختلاقات تتناقض مع المنطق السليم للأمور وتستهين بذكاء القارئ ونزاهة المنبر.

وأعتذر مسبقا لدي القراء الذين كانت لهم فرصة الاطلاع على ما كتبته حول العديد من المعطيات المتعلقة بالمغرب العربي وقضاياه ومشاكله، كما أعتذر عن الاجترار الاضطراري لدي من يقدّرون أن سبب سكوتي كان غالبا لتفادي مهاترات وملاسنات يمكن أن تحوّل صراعا سياسيا إلى تحاربٍ بين شعبين شقيقين.

لكن الاختلاقات والأكاذيب والتصرفات المتهورة تواصلت، وأتذكر هنا، في مجال الاختلاقات التي رأيتها مثيرة للسخرية، ما أوردته بعض المصادر الشقيقة من أن الجزائر تتناقض مع مناداتها باستفتاء المصير لسكان الصحراء الغربية، والحقيقة، كما يدعون، أنها تسعى لتقسيم الصحراء الغربية بين المملكة وجبهة “البوليزاريو”، ممثلة الشعب الصحراوي، ربما للحصول على مكسب ترابي.

ولقد عشت تطورات هذه القضية منذ السبعينيات، وأعلم أن جوهر اختلافنا مع الأشقاء في المغرب وموريتانيا كان رفض الجزائر الاتفاق الذي تم بين الرباط ونواكشوط لتقسيم الصحراء الغربية بين البلدين، وإصرارها على تطبيق الشرعية الدولية التي نصت على ضرورة اللجوء إلى استفتاءٍ لتقرير المصير، يحدد فيه الشعب الصحراوي رغبته ويعبر عن إرادته، ويختار إما الانضمام إلى المغرب أو الاستقلال.

وكان مما صدمني في الأمر كله الموقف المغربي اللامنطقي الذي راح يندد بالجزائر ويدعي أن مطالبتها بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية هو رغبتها في تقسيم الإقليم المتنازع عليه، والإيحاء بأنها تريد قطعة من الكعكة، قد يكون ممرا نحو الأطلسي (وسأعود لهذه النقطة).

وذكرني هذا الإفك بالاتهامات الباطلة التي وجهت للجزائر إثر الجريمة الإرهابية في فندق مراكش، والتي أدت إلى قرار الجزائر بإغلاق الحدود البرية بين البلدين منذ ذلك التاريخ، لأن السيئة عندنا بعشرة أمثالها.

والذي حدث هو ما نسب من تصورات لجيمس بيكر بعد لقائه العاهل المغربي، وتأكد أنه عملٌ متكامل تم إعداده منذ فترة، هدفه الواضح هو تجنيد الشارع في المغرب الشقيق للتأثير على المنظمة الأممية وعلى المجتمع الدولي لتأييد ما أصبح يسمى ” الحل الثالث “، الذي رفضته البوليزاريو، ورأت فيه تناقضا مع قرارات الشرعية الدولية ( أي الحكم الذاتي، ولي عودة له).

والغريب أن فكرة التقسيم التي نسبت للجزائر لم تتضمنها أي وثيقة جزائرية رسمية أو دولية، ولم ترد الإشارة لها بعبارات واضحة محددة تفرق بين “ما فُهم” خلال المحادثات، بتسرع أو بسوء نية، وهو ما يُلزم ناقله ولا يُلزم من نسب له.

ومن هنا فإن الشارع الجزائري كان يتصور أنه، بفرض أنه كان هناك تعبيرٌ ما، يتناقض مع ما هو معروف رسميا عن الموقف الجزائري، فإن منطق الأخوة كان يفرض أسلوبا أكثر حكمة، فالعلاقات الجزائرية المغربية غير مقطوعة، والاتصالات الجزائرية المغربية متواصلة منذ فترة، والسفارات موجودة في البلدين، والهاتف المحمول تم اختراعه، وأجهزة الفاكس موصولة بالتيار الكهربائي، هذا كله كان يفرض أن تطلب المغرب مباشرة توضيحا رسميا من الجزائر، تتخذ على ضوئه موقفها النهائي.

ولقد كان من أخطاء الطرف الجزائري أنه استهان في البداية بما نسب إليه من قبول للتقسيم، من منطلق أنه كان يتصور أن هذا هو آخر ما يمكن أن ينسب له.

وكما سبق أن قلت، كنت تفاديت تناول موضوع الصحراء الغربية بالتفصيل لكيلا أحرج أحدا في هذا المنبر الذي يفتح لنا صدره، لكن السكوت اليوم سيجعل مني شيطانا أخرس.

ولعل أكثر الأمور تعقيدا في قضية الصحراء الغربية أن كل الأطراف قد تبدو للبسطاء على حق، وهي تبني مواقفها على منطلقات وطنية ثابتة، تحولت، بتركيز هائل من القيادات، إلى أداة تجنيد شعبي واسع المجال.

فالمملكة المغربية، وهي دولة تاريخية عريقة، ترى أن لها حقوقا تاريخية في أراض مجاورة، وهناك في المغرب من يطالب علانية.. لا بالصحراء الغربية فحسب بل وبموريتانيا وبجزء من الجزائر (يسمونه الصحراء الشرقية في مقاربة مع الصحراء الغربية) ومالي، لكنها تنسى أن روما، التي كانت ما كانته، هي اليوم في موقع جغرافي لا تنظر خارج حدوده المعترف بها دوليا، ولا تذكير ببريطانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا وهولندا وبلجيكا، والتاريخ أصبح مجرد ذكريات وحكايات.

هنا نجد حكمة منظمة الوحدة الإفريقية، والجزائر دولة مؤسسة لها، فمع الاعتراف بأن الحدود الجغرافية لدول كثيرة، وخصوصا في القارة الإفريقية، رُسمت بشكل تعسفي، فإنها تصرفت على أساس أن قضايا الحدود هي قنابل موقوتة، وبالتالي فإن ضمان الاستقرار في القارة هو احترام الحدود الموروثة عند الاستقلال، ثم محاولة تجاوزها بالاتفاقيات الثنائية، المنبثقة من احترام سيادة كل دولة في حدودها الموروثة عن الاستعمار، واحترام حق كل شعب في تقرير مصيره، لكن المغرب رفض الاعتراف بموريتانيا عند قيامها في 1961، ولم تعترف بها الجامعة العربية، بضغط من المغرب، إلا بعد أكثر تسع سنوات من قيامها، وبضغط مضاد من الجزائر دعمته تونس.

وكان الملاحظ أن المغرب تحفظت يومها على قرار المنظمة، وفهمنا جميعا أن المقصود هو سبتة ومليلية، واحترمنا إرادة الشعب الشقيق في إصراره على استرجاع أراضيه التي سلبتها إسبانيا.

وهكذا ظل موقف الجزائر، الصلب إلى حد التصلب، رفض منطق الحقوق التاريخية، سواء كانت حقيقية أو متوهمة أو منتحلة، وسواء تعلق الأمر بالمغرب أو بالعراق أو بالصومال أو غيرها.

ومن هنا اعتمد موقف الجزائر على قرارات أممية منبثقة من القرار 1514 القاضي بأن القضية بالنسبة للصحراء الغربية هي استكمال تصفية استعمار، يجب أن يقود بالضرورة إلى ممارسة الشعب المعنيّ حقه في تقرير مصيره، في استفتاء حر ومباشر وبدون ضغوط،.

وأعلنت الجزائر بأنها تقبل النتيجة أيّا كانت، ولا تحاول التأثير عليها في أي اتجاه كان، وأستطيع، عن معرفة كاملة بالملف، أن أتحدى من يثبت بأن الجزائر طالبت بغير الالتزام بالشرعية الدولية واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.

لكن هناك أمرا أخر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار.

فمن الخطأ اعتبار القضية أمرا جهويا معزولا، ولقد كان واضحا في السبعينيات أن قوىً كبرى غير مرتاحة لنشاطات الجزائر، خصوصا بعد احتضانها للمؤتمر الرابع لقمة الانحياز، وبدا أن الذين تعمدوا إثارة قضية الصحراء آنذاك بأسلوب استفزازي لا يمكن أن تقبله الجزائر كانوا يقصدون دفعها نحو فخ عسكري، يُشبه فخ اليمن بالنسبة لمصر – جمال عبد الناصر، لتحطيم الجيش الوطني، في إطار إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة.

وهكذا نجد أن عام 1975 شهد عدة أحداث لا يمكن أن تعتبر مصادفات.

1 – فتح قناة السويس للملاحة بدون مقابل من الدول الغربية، المستفيدة الأولى من الإنجاز.

2 – الاتفاقية الثانية لفك الاشتباك على الجبهة المصرية، والتي تأكد أنها كانت خطوة نحو كامب دافيد.

3 – اغتيال الملك فيصل.

4 – اشتعال الحرب الأهلية في لبنان

5 – أخيرا .. انفجار مشكل الصحراء بالأسلوب الاستفزازي الذي تم به، خصوصا بعدما عُرف بأن المغرب وموريتانيا كانتا قد اتفقتا سرّا على اقتسام الصحراء، وهو ما نددت به الجزائر يومها، وما دفعها في منتصف السبعينيات إلى دعم مطالب جبهة البوليزاريو ( الحروف الأولى لعبارة جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ) والتي نشأت في موريطانيا منذ 1973، وكانت تنشط في مجال مناوشة المحتل الإسباني، وكانت ليبيا أول من دعمها، بينما كانت الجزائر وبعض أقطار المنطقة تؤيد حركة موريهوب Morehob أي حركة مقاومة الرجال الزرق، التي كانت ترفع لواء النضال ضد الإسبان.(..)

هنا أصل إلى قضية اتهام الجزائر بأنها في الواقع تنادي باقتسام الصحراء ليكون لها من مأكولات العرس نصيب، حيث كتب وزير إعلام مغربي أسبق مقالا يشير إلى الفقرة السادسة والأربعين من تقرير الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة، مذكرا، وبين مزدوجين، بأن كوفي عنان تحدث عن “استعداد الجزائر والبوليساريو للتفاوض بشأن إمكانية التقسيم”.

وفي العمود الثالث، واعتمادا على أن القارئ العادي لم يطلع على التقرير، يورد الوزير مقتطفات من الفقرة الأربعين التي يقول فيها الأمين العام، وبين مزدوجين أيضا : “ويرى المبعوث الشخصي للأمم المتحدة (أي جيمس بيكر)، وأنا أشاطره الرأي ( أي عنان)، أن المقترح الذي قدمته الجزائر بدلا من الاتفاق الإطاري (الذي رفضته البوليزاريو وأيدتها الجزائر في الرفض، وهو الاتفاق الذي يتجاهل خطة التسوية الأممية القاضية بإجراء الاستفتاء المنصوص عليه في اللوائح المتفق عليها بين المغرب والبوليزاريو، ويعطي الصحراء استقلالا ذاتيا بقرار تعسفي) ذلك المقترح ليس أوفر حظا من خطة التسوية في إيجاد حل ودائم ومتفق عليه للنزاع على الصحراء الغربية.

وأسلوب الصياغة معقد بالفعل، والقارئ المتسرع، وهو حال الأغلبية، سيستنتج أن ما اقترحته الجزائر في الفقرة الأربعين هو فكرة التقسيم، في حين أن الاقتراح الجزائري المشار إليه في هذه الفقرة هو أن تتحمل الأمم المتحدة مسؤولياتها كاملة في تطبيق احترام الشرعية الدولية، وذلك بتنفيذ لوائح التسوية بكل سيادة، رغم أن الأمين العام يشكك في إمكانية نجاحها نتيجة لمواقف المغرب المشار لها في فقرات أخرى، فنص الاقتراح الجزائري يقول (وهو موجود في الوثائق الرسمية للمنظمة).

.. et que l’Organisation des Nations Unis assume la souveraineté sur le Sahara occidental afin d’appliquer les dispositions qui semble identique à celles du plan de règlement..etc.

وهذا هو نفس الأسلوب الذي تعامل به الوزير المغربي مع الفقرة 48، حيث أن كوفي عنان يشير في هذه الفقرة، كما في الفقرة رقم (2) إلى رأي بيكر، وينقل عنه حرفيا قوله بأنه يرى، أي بيكر، أن الجزائر وجبهة البوليزاريو من المحتمل (من المحتمل) أن يكونا مستعدين (وصيغة الاحتمال conditionnelle تلزم الراوي بالطبع، وهي واضحة في النص الذي يقول حرفيا بأن الطرفين “يمكن” أن يكونا على استعداد لبحث تقسيم للإقليم أو تفاوض حوله

ولم يقل بيكر أن الجزائر تقدمت بطلب للتقسيم بأي حال من الأحوال، بل يؤكد النص كله تشبث الجزائر بالقرارات الأممية التي تنادي بإعطاء الكلمة لسكان الإقليم بين أن يختاروا الانضمام إلى المغرب، وبمباركة جزائرية، أو يختاروا الاستقلال، وأيضا بمباركة جزائرية.

وقد يبدو من الطبيعي أن يعبث جيمس بيكر بالنص كما عبث لورد كارادون بنص التوصية الشهيرة 242، لغاية في نفس يعقوب أو يوسف أو جيمس، لكنني أفضل أن أتفادى التشكيك في النوايا.

ولقد فهم كثيرون من فتور ردود الفعل الجزائرية أن هناك رغبة في تفادي التصعيد الذي سينعكس سلبا على جهود بناء المغرب العربي الكبير، وهناك من يقول بأن تعليمات جزائرية رئاسية صدرت بعدم مجاراة الإعلام المغربي في إساءاته المجانية للجزائر، فالعالم كله يعرف أن الرأي القانوني الصادر يوم 29 يناير يِؤكد بوضوح أن “المملكة المغربية تحتل بصفة غير قانونية الصحراء الغربية، وبالتالي فهي لا يمكنها التطلع إلى أي شرعية أو اعتراف دولي، عدا الاعتراف بأنها قوة احتلالية”، ولقد أكد الأشقاء في المغرب أنفسهم بأن مشكلتهم هي مع البوليزاريو، وتفاوضوا معه بالفعل وجها لوجه.

ويسجل التاريخ للجزائر أنها حاولت دائما تهدئة الأوضاع، وتفادت تحويل الأمر إلى صراع عسكري مع المغرب منذ البداية، وخصوصا في المرحلة التي كان الملك المغربي الراحل يعاني المشاكل مع جيشه، وكانت نقاط الضعف المغربية واضحة للجزائر في عهد الرئيس بو مدين، الذي لم يحاول أبدا انتهاز الفرصة احتراما لروابط الأخوة.

وثبت أن الطريق السليم هو في لقاء الطرفين الرئيسين في الصراع، وهكذا قبل المغرب التفاوض مع البوليزاريو، واختلط التاكتيك بالإستراتيجية، ووصل كثيرين إلى الاستنتاج بأن ذلك القبول كان مماطلة تريد الوصول إلى ترسيخ اليقين العام بأن الاستفتاء أمر مستحيل.

ووقف أشقاء يتفرجون أو يزايدون أو يحرضون، في الوقت الذي راحت فيه واشنطن تعمل على أن تحكم سيطرتها على العالم بمنطق ما بعد سبتمبر 2001.

وأعترف بأن الموضوع معقد لكن الباحث عن الحقيقة لن يضل الطريق، ويظل الأمل معقودا في استفاقة واعية تؤكد أن الإنسان قد يختار أصدقاءه لكنه لا يستطيع اختيار أشقائه وجيرانه.