السبت 15 آب 2020

مقالات

هل ستتغير قواعد الإشتباك مع إسرائيل على ضوء الاتفاق الإيراني – السوري الجديد؟

هل ستتغير قواعد الإشتباك مع إسرائيل على ضوء الاتفاق الإيراني – السوري الجديد؟

براء طه

التاريخ ,

 جرى في التاسع من هذا الشهر يوليو / تموز التوقيع على اتفاقية عسكرية شاملة لتعزيز التعاون العسكري والأمني في شتى مجالات عمل القوات المسلحة بين سورية و إيران وخاصة ما يتعلق منها بتعزيز وتطوير قدرات منظومة الدفاع الجوي السورية، وذلك أثناء زيارة رئيس هيئة أركان الجيش الإيراني والوفد المرافق له إلى سورية.

وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق لم يكن الأول من نوعه في العلاقات الإيرانية السورية خاصة على المستويين العسكري والأمني، فحسب دراسة نشرها مركز حرمون في 16 أيار / مايو قدرت عدد القواعد العسكرية الإيرانية في سورية بأكثر من 24 قاعدة عسكرية رئيسية متوزعة على كامل الجغرافيا السورية.

 لكنه أثار العديد من التساؤلات حول الموقف الروسي منها و توقيتها؟

أولاً: منظومة الدفاع الجوية السورية ، روسية تماماً ، أي لايمكن التعديل عليها أو حتى تطويرها إلا بموافقة روسية ، وهذا طبيعيلذلك ومن هذا المنطلق، فإن هذه الخطوة السورية / الإيرانية جاءت بموافقة روسية ، حمالة لرسائل سياسية أكثر مما ستحمله من إضافة أو تطوير للقدرات العسكرية السورية.

ازدادت في الأشهر الأخيرة (حدة ووتيرة) الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية وخاصة تلك التي تستهدف القواعد والمراكز  الإيرانية فيها ، بالتزامن مع استحقاق الرئاسة الأمريكية وما قد يحمله من تغيير في سياستها بالمنطقة عموما والملف السوري خصوصاً، وسط صمت مطبق من قبل روسيا على هذه الاعتداءات، (يمكن أن يعزى إلى الحرص الروسي في الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل طالما أن هذه الاعتداءات لا تمس و لا تعرض المصالح الروسية للخطر) وهو ما وضع الروس في موقف محرج أمام السوريين و الإيرانيين .

فكانت هذه الاتفاقية وما رافقها من تركيز إعلامي، إزالة لهذا الحرج، وتحذيراً للكيان الإسرائيلي بتغير قواعد اللعبة على الأرض وأن القواعد والمراكز العسكرية الإيرانية في سورية باتت محمية بنظم دفاع جوي متطورة، وخاصة ما سرب عن أن إيران ستقوم بتزويد سورية بمنظومة دفاع جوي متطورة من طراز باور 373 و خرداد 3.

ثانياً: تتعرض سوريا حاليا لضغوط شديدة اقتصادية وعسكرية لتسوية ثلاث ملفات رئيسية التسوية مع المعارضة ، العلاقات مع حزب الله وإيران، والتسوية مع إسرائيل.

وتدرك جيداً أن تقديم أي تنازل في أي ملف من هذه الملفات سيتبعه سلسلة طويلة من التنازلات في كل الملفات لن تنتهي إلا بما ترسمه لها القوى الغربية وإسرائيل، لذلك اتجهت إلى خيار المواجهة لتعزيز الموقف التفاوضي ورفع سقف المطالب.

ثالثاً: ما حققته سورية بوجود إيران و روسيا لم يكن ليتحقق لولا تكامل دوري روسيا و إيران العسكري والسياسي (الذي تلعب سورية دورا كبيرا في ضبط ايقاعه)، فهذا التكامل حقق إعادة السيطرة على الأرض، و حقق المكاسب السياسية لمباحثات أستانة مع تركيا على أقل تقدير.

رابعاً: إيران بسياستها ورقة رابحة و مهمة ، تعطي هامش كبير للتحرك ومزيداً من الخيارات وتخفف من كمية الضغوط الغربية على سوريا وروسيا، فمالا يمكن أن تحققه وتفعله روسيا بسبب مكانتها وموقعها السياسي في سورية يمكن أن تحققه إيران بكل أريحية والعكس صحيح، وكذلك الأمر بالنسبة لسورية.

خامساً: تاريخياً نجحت السياسية السورية في توفير أكثر من خيار لها في أوقات الأزمات سهل لها ذلك موقعها الجغرافي والديناميكية في التعامل مع الأزمات فنجحت بشكل مذهل في أن تكون بيضة قبان في أزمات المنطقة.

فعلى سبيل المثال شهدت فترة الثمانينات تحالف قوي بين سورية وإيران ساندت فيه سورية ، إيران في حربها مع العراق حيث قدمت سورية مساعدات عسكرية وخبراء عسكريين إضافة إلى دعم سياسي لإيران، بمقابل مساعدات مالية و نفط إيراني بأسعار مخففة، مالبث أن دب الخلاف و تضاربت المصالح بين الجانبين بعد منتصف الثمانينيات في عدة ملفات أبرزها الملف البناني والصراع بين حركة أمل المدعومة سوريًا و حزب الله المدعوم إيرانياً ، أدى هذا الخلاف إلى محاولة طهران الضغط على دمشق اقتصادياً ( الخاضعة للعقوبات الاقتصادية والتي تعاني اساساً من أزمة اقتصادية ) من خلال التلويح بوقف تصدير النفط و وقف المساعدات المالية ، فكان الرد السوري هو التلويح باعادة النظر في العلاقات المقطوعة مع العراق عن طريق وساطة أردنية ، وهو ما أدى إلى تراجع طهران عن تهديداتها .

تجدد هذا الخلاف بين دمشق وطهران مما أدى في النهاية إلى عقد لقاء القمة بين الرئيسين السوري والعراقي بوساطة وتنسيق من الملك الأردني حسين بن طلال في قاعدة عسكرية شرق الأردن في نيسان 1987 .

ظهرت نتائج هذا اللقاء بعد عدة أيام حيث تراجع طهران عن تهديداتها وعقدت اتفاق مع دمشق يقضي بتزويدها بمليون طن من النفط سنوياً بشكل مجاني . لتستمر العلاقة ( الندية ) بين الجانبين إلى

هذا اليوم .

الشاهد أن هذه الديناميكية في السياسة ساعدت سورية في أزمات عديدة وستساعدها لاحقاً بكل تأكيد ، فالسوريون يتقنون جيدا ضبط التوازن في علاقاتهم مع مختلف الفرقاء الإقليميين والدوليين .

ما يجمع الروس والإيرانيين في سورية أكثر مما يفرقهم وهذا ما أثبتته الأعوام العشر المنصرمة .

ليس من المؤكد أن تتوقف الاعتداءات الاسرائيلية على سورية ،  لكن الأكيد أن هذه الاتفاقية ستكون بداية لتغيير قواعد اللعبة وكبح الجماح الاسرائيلي في سورية .