الخميس 12 كانون أول 2019

مقالات

مصير الودائع في المصارف اللبنانية، وآلية المحافظة عليها

مصير الودائع في المصارف اللبنانية، وآلية المحافظة عليها

الدكتور مروان قطب

التاريخ ,
يوجد في ظل الظروف التي تمر بها البلاد، مخاوف متبادلة بين القطاع المصرفي من ناحية، و المودعين من ناحية اخرى. فالمودعون يخشون على ودائعهم خصوصا مع انتشار الشائعات بان القطاع المصرفي اللبناني مهدد بالتوقف عن الدفع، والقطاع المصرفي لديه خشية ايضا من طلبات على سحب الودائع لا تستطيع السيولة النقدية لديه على تلبيتها. فما هي الحقيقة ، وهل الودائع في خطر، وكيف يمكن الخروج من هذه الازمة المصرفية؟ تعد المصارف وسيطا بين المودع والمقترض، بحيث انها تتلقى الودائع من العملاء لقاء دفع الفوائد لهم التي تسمى "الفوائد على الايداع"، وهذه الفوائد تشكل كلفة حصول القطاع المصرفي على الاموال، وتشكل عبئا يجب العمل على تغطيته. لذلك تعمد المصارف الى استخدام الاموال المودعة من اجل تغطية "فوائد الايداع"، والاصل ان المصارف تستعمل هذه المبالغ لاقراض العملاء سواء كانت القروض للاستهلاك او للاستثمار، ولقاء حصول المصرف على فوائد تسمى "فوائد الاقراض" وهذه الاخيرة تغطي "فوائد الايداع" وتحقق الارباح. وهذا يعني ان المصارف تستعمل الودائع التي لديها من اجل تحقيق العوائد، الا انه ولضمان تلبية المصارف لطلبات السحب من قبل المودعين، فرض البنك المركزي عليها تكوين احتياطيات الزامية ، بمعدل 25% على الحسابات تحت الطلب ، وبمعدل 15% على الحسابات لاجل. وغالبا فان طلبات السحب من قبل المودعين في الظروف العادية لا تتجاوز هذه المعدلات، لذلك تسري الامور بطريقة طبيعية، ويتمكن العملاء من سحب ودائعهم بصورة عادية. ان الودائع المصرفية في لبنان تبلغ في الوقت الراهن 170 مليار دولار اميركي اي ما يتجاوز ثلاثة اضعاف الناتج المحلي الاجمالي في لبنان الذي يقدر بـ 55 مليار دولار اميركي، وهذا يدل على قوة القطاع المصرفي اللبناني والاقبال على الايداع لديه. وتدفع المصارف اللبنانية فوائد على هذه الودائع، ولتأمين تغطيتها تعمد الى اقراض العملاء بالاضافة الى استعمال الاموال المودعة في الاستثمار في سندات الخزينة حيث بلغت حصة المصارف في الاكتتاب في سندات الخزينة بالليرة اللبنانية ما نسبته 33% من اجمالي السندات ونسبة اكتتاب مصرف لبنان في هذه السندات 50%، والهدف من ذلك الحصول على العائد الذي يغطي فوائد الايداع ويحقق الارباح. هذا يعني ان نسبة كبيرة من ودائع المواطنين ليست موجودة في خزائن المصارف، ولكن هذه الودائع مضمونة من قبل مصرف لبنان. الا ان طلبات السحب التي تتجاوز الهوامش المتوقعة، قد يسبب مشكلة سيولة لدى المصارف، وقد يؤدي الى التوقف عن الدفع. وهذا امر ليس بغريب عن التجارب المصرفية العالمية، والتي دلت على ان تهافت المودعين دفعة واحدة لسحب ودائعهم قد يؤدي الى ازمة مالية وليس آخرها ازمة العام 2008. ان ما يجري في الظروف العصيبة التي تمر فيها البلاد هو ان المودعين يعمدون الى سحب اموالهم من المصارف والاحتفاظ بها في المنازل ، كما ان المصارف تخشى ان تتجاوز طلبات السحب الامكانيات المتاحة لديها من السيولة بحيث لا تستطيع ان تلبيها. ان الهدف من قرار مصرف لبنان بالطلب الى المصارف عدم توزيع الارباح الى المساهمين وزيادة الرسملة لديها هو تعزيز السيولة النقدية لديها لمواجهة المخاطر وضمان ودائع العملاء. وقد تضطر المصارف الى اتخاذ اجراءات تهدف من خلالها الى الحد من طلبات السحب التي تتجاوز امكانيات السيولة المتوفرة لديها، وهذه الامكانيات هي سليمة وصحية في الظروف العادية وتتماهى مع المعايير الدولية خصوصا معايير بازل ثلاثة. ان مساهمة المواطن اساسية في معالجة هذه المشكلة، من خلال الثقة بالقطاع المصرفي ، وعدم الركون الى الشائعات التي تهدف الى النيل من اقتصاد الدولة في هذه الظروف الحرجة، وان تكون طلبات السحب هي لتلبية الحاجات سواء الاستهلاكية او التجارية وليس لتخزين الاموال في المنازل او لتحويلها الى الخارج. والى حين عودة الاستقرار الى البلاد وسلوك الاوضاع مجراها الطبيعي وعودة الثقة الى الاقتصاد، فانه ينبغي على جميع الاطراف المعنية ان تتحمل مسؤولياتها من اجل الوصول الى بر الامان.