الاثنين 18 تشرين ثاني 2019

مقالات

بداية نهاية إسرائيل.. واقعٌ أمْ خيالٌ؟

بداية نهاية إسرائيل.. واقعٌ أمْ خيالٌ؟

رأي اليوم

التاريخ ,

هل بدأ أقطاب وأركان قيادة كيان الاحتلال الإسرائيليّ، على ضوء المُستجدّات الأخيرة، يُفكِّرون في بداية زوال الدولة العبريّة؟ الإجابة على السؤال المفصليّ والجوهريّ ليست سهلةً بالمرّة، ولا تدخل في إطار العنتريات العربيّة التي، للأسف الشديد، تعوّدنا عليها منذ النكبة، مرورًا بالنكسة، وانتهاءً بهرولة الأنظمة العربيّة، وتحديدًا الخليجيّة، للتطبيع مع إسرائيل، لأسبابٍ عديدةٍ، منها، على سبيل الذكر لا الحصر، اعتقاد أنظمةٍ عربيّةٍ بأنّ الباب إلى واشنطن يُفتَح في تل أبيب، ولكي لا نُجافي الحقيقة، نعتمِد على مقولاتٍ لعددٍ من الصهاينة حتى النُخاع في الإعلام العبريّ وفي المؤسسة الأمنيّة، والتي باعتقادِنا المُتواضِع تؤكِّد لكلّ مَنْ في رأسه عينان على أنّ الهروب الأمريكيّ من الشرق الأوسط، أدخل قادة الكيان، من المُستويين الأمنيّ والسياسيّ، إلى حالةٍ من الهلع والذعر والقلق على مصير دولة الاحتلال، بعد 72 عامًا من إقامتها على أنقاض الشعب العربيّ-الفلسطينيّ في أبشع وأقذر جريمةٍ عرفها التاريخ البشريّ.

***

ولا غضاضة في هذا السياق بالاستعانة بآفي بنياهو الناطق العسكريّ الإسرائيليّ الأسبق، الذي شدّدّ على أنّ الرئيس دونالد ترامب يأخذ الشرق الأوسط وإسرائيل إلى رحلةٍ جبليّةٍ عبر الدراجّات، ولذلك لا يجب عليها ألّا تُفاجئ من سياساته الشرق أوسطية، ممّا يتطلّب نشوء حكومةٍ إسرائيليّةٍ مُوسّعةٍ، تُنسِّق جيدًا مع المنظومة الأمنيّة لمواجهة قراراته القادمة. بنياهو، المُقرّب جدًا من الطبقة الحاكِمة بالكيان تابع: صحيح أنّ الولايات المُتحدّة تُعتبر أهّم أصدقاء إسرائيل، والأكثر أهميةً لها، وتمنحها غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا، بالإضافة إلى المُساعدات الاقتصاديّة والأمنيّة مساعداتٍ اقتصاديّةٍ وأمنيّةٍ لا يُمكِن الاستغناء عنها، لذلك فإنّي لا أعرض الاستغناء عنها، لكنّي أطالِب بإدارة العلاقة معها من جديد، والاستعداد لقرارات وخطوات غير متوقعة قد يُقررها الرئيس غير المتوقع هذا، مُوضِحًا أنّه في ساعات الحرب تحتاج إسرائيل الولايات المتحدة كثيرًا، ليس فقط في الأمم المتحدة، للدعم السياسيّ والدبلوماسيّ، وإنمّا بسبب تقديم سلسلةٍ طويلةٍ من المساعدات العسكريّة والأمنيّة، مثل الجسر الجويّ ومخازن الطوارئ والأسطول السادس وخدمات الأقمار الصناعيّة والدفاع وغيرها، مُختتمًا مقاله بتحذير الإسرائيليين: تخيَّلوا معي، كيف سيكون ردّ فعل ترامب، لو أنّ “صفقة القرن” الخاصة به لن تكون مقبولةً على إسرائيل، كيف سيكون سلوكه تجاهها!.

***

ومؤشِّر إضافيٍّ يؤكِّد حالة البلبلة والزعزعة في الكيان، على خلفية قرارات ترامب، نجِدها في تقريرٍ مُطوّلٍ ومُوسّعٍ لرئيس تحرير صحيفة (ذا ماركر) العبريّة-الاقتصاديّة، التابِعة لصحيفة (هآرتس)، الذي جزم أنّ وقف المُساعدات الأمريكيّة للكيان هي مسألة وقتٍ ليس إلّا، ومن اليوم فصاعِدًا، أضاف، ستقوم واشنطن بجباية الثمن الاقتصاديّ من كل معونةٍ تقوم بتقديمها لإسرائيل، لافِتًا في الوقت عينه إلى أنّ الاتفاق غيرُ المسبوق القاضي بفرض الجمارك على الاستيراد الزراعيّ من الولايات المُتحدّة للكيان، بات أكثر من أيّ وقتٍ مضى أنْ يصِل سريعًا إلى مزابل التاريخ.

***

وفي هذه العُجالة من الضروريّ الإشارة إلى حدثين مهمين سُجِّلا في الأسبوعين الأخيرين، وهما بالتالي يُحتِّمان على صُنّاع القرار في دولة الاحتلال إعادة النظر في إستراتيجيها الجديدة بعد أنْ تركت واشنطن الشرق الأوسط، ليحِّل مكانه الدُبّ الروسيّ، الذي لا يُخفي أطماعه الاقتصاديّة في المنطقة، بما في ذلك من إسرائيل: في مؤتمرٍ صحافيٍّ مؤخرًا سُئِل ترامب كيف يتوافق إعلانه عن عدم اهتمام بلاده العسكريّ في الشرق الأوسط، مع قراره إرسال 2800 جنديّ أمريكيّ إلى السعوديّة، حيثُ ردّ الرئيس الأمريكيّ:”تلبيةً لطلبي، وافقت السعوديّة أنْ تدفع لنا الأموال مقابِل ما نعمله من أجلها، ونحن نُثمِّن ذلك”، أمّا التطوّر الثاني، فقد وقع في نفس اليوم في الرياض، حيث حطّت هناك طائرة الرئيس الروسيّ، فلاديمير بوتن، في زيارةٍ لوليّ العهد، محمد ابن سلمان.

***

بكلماتٍ أوضح ممّا ذُكر أعلاه يتعيَّن علينا القول الفصل: زعيم الـ”عالم الحُرّ” قام بتحويل جيشه إلى جيشِ من المُرتزقة، وهذه الموسيقى لن تتغيّر في المُستقبل المنظور، أيْ طالما بقي هذا المعتوه رئيسًا لأعظم دولةٍ في العالم، إذْ أنّه بحسب الاستطلاعات، فإنّه يتقدّم على جميع المُرشّحين الديمقراطيين، الذين يكرهون الشرق الأوسط أكثر منه، وبالتالي يُطرَح السؤال: هل ستقوم واشنطن بترك إسرائيل، كما فعلت مع الأكراد مثلاً؟ وهل هذه السياسة التي أرساها ترامب، “حماية مُقابِل دفع الثمن” ستشمَل كيان الاحتلال أيضًا؟ وهل بوتن، قائد الشرق الأوسط بدون مُنازعٍ، باعترافٍ إسرائيليٍّ علنيٍّ، سيكون أكثر خشونةً من “صديقه” اللدود ترامب؟

***

منذ بداية المائة الـ21 وقادة إسرائيل يتوعّدون ويُهدّدون بالهجوم على إيران وتدمير برنامجها النوويّ، والأمر بات يتملّك رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الذي أُصيب بمتلازمة “النوويّ الإسلاميّ”، ولكن على ضوء المُتغيِّرات الأخيرة، تحوّل السيناريو بـ180 درجة: أركان الكيان باتوا يُحذّرون من هجومٍ إيرانيٍّ جريء ضدّ إسرائيل، وتحديدًا بصواريخ (كروز)، التي يُقِّر زعماء تل أبيب بعدم وجود منظومات دفاعٍ لصدّها، أيْ أنّ الدولة العبريّة غدت قلقةً للغاية من هذه الإمكانية، مشيرةً إلى أنّ الهجوم الإيرانيّ على منشآت النفط السعوديّة، كان بمثابة رسالةٍ حادّةٍ كالموس لتل أبيب: الضربة القادِمة ستكون من نصيبكم. ونُنهي بالسؤال: هل إسرائيل، على وقع هروب واشنطن من الشرق الأوسط، باتت لأوّل مرّةٍ، مشغولةً بالدفاع عن نفسها من الخطر الوجوديّ على وجودها أوْ عدمه؟.