الاثنين 18 تشرين ثاني 2019

أخبار لبنانية

ما لا يعلمه الساخرون والمعجبون عن جمال فتيات لبنان

ما لا يعلمه الساخرون والمعجبون عن جمال فتيات لبنان

عربي بوست

التاريخ ,

منذ عدة أيام وأنظار الجميع في العالم تتجه نحو لبنان والمظاهرات الحاصلة هناك، وقد لاحظت تداول الكثير من أصدقائي على فيسبوك صوراً وفيديوهات لمظاهرات اللبنانيين واللبنانيات، خاصةً صوراً لفتيات جميلات ونساء يشاركن في هذه التظاهرات، والبعض الآخر يتداول صور التظاهرات السلمية والتحضر والموسيقى والرقص وإلى آخره.

ونسبة كبيرة من هؤلاء المتابعين ملأوا السوشيال ميديا بالتعليقات الساخرة على هذه المظاهرات وعلى اللبنانيات المشاركات لدرجة أن بعض المصريين علقوا على صور المتظاهرات اللبنانيات «محدش يتجوز يا جماعة واحنا في انتظار اللاجئات اللبنانيات».
إن دلت هذه السخرية والتعليقات على شيء فإنها تدل على قلة وعي مخلوط بخفة دم مصطنعة لا أكثر،
لأنه تقريباً أغلب معلوماتك عن دولة لبنان تتلخص في هيفاء وهبي وإليسا وفيروز وراغب علامة و»تؤبرني حبيبي» وصفيحة اللبنية، وخيالك يصور لك أن لبنان دولة قائمة على اليوتوبيا والدبكة والكل هناك سعيد ويغني في المطارات العالمية.
لكن هل تساءلت عن سبب نزول اللبنانيين في هذه المظاهرات؟ وما الذي أدى إلى اشتعالها؟ هل هو الوضع الاقتصادي، الفساد الحكومي، صراع الطوائف الذي أتوقع أنك لا تعرف عنه الكثير، الاحتلال؟

هل نما إلى علمك أن لبنان هي الدولة التي يفوق عدد سكانها في الخارج وفي نواحي الدول الأوروبية أضعاف مضاعفة من سكانها بالداخل، السبب هو الصراع الطائفي وظروف المعيشة الصعبة. هل نما إلى علمك أن التعامل داخل لبنان بالدولار الأمريكي؟

الشكل المتحضر الذي يعجبك في المظاهرات هو نتيجة للكثير من الدماء التي أريقت بسبب حرب أهلية استمرت على مدار 14 سنة تقريباً قضت فيها على الأخضر واليابس، وأدت في النهاية لانقسام لبنان إلى دولتين طائفيتين بينهما حدود وحرس بالسلاح.

ماذا تعرف عن التقسيم السكاني للبنان؟ هل تعلم أنه واحد من البلدان التي تحتوي على عدد كبير من الملل والطوائف وجميعهم على خلافات وبينهم صراعات لا تنتهي، وبعض هذه الطوائف ليسوا لبنانيين في الأصل إنما مهاجرون ونازحون فلسطينيون بالآلاف منهم منظمة التحرير الفلسطينية بكاملها؟

هل تعرف أن الطوائف المسلمة فقط في لبنان عبارة عن 30% سنة، 29% شيعة وعلويون وإسماعيليون ودروز.
وأن المسيحيين يشكلون 40% من سكان لبنان، هل تعلم أن المسيحيين أنفسهم مقسمون إلى طوائف عديدة، ما بين موارنة وروم وأرثوذكس وروم كاثوليك وأرمن أرثوذكس وكاثوليك وأقباط وسريان وكلدان ولاتين «صليبين» وإنجيليين وآشوريين.

هل تعلم أن كل واحدة من هذه الطوائف لها مناطقها التي تسيطر عليها وزعماؤها وأتباعها،

هل سمعت من قبل عن السبت الأسود في لبنان المسالمة؟

في السادس من ديسمبر ١٩٧٥م بدأ الأمر بجثث أربعة مسلحين من حزب الكتائب اللبنانية، وكانت النتيجة هي أن الميليشيات من المسيحيين أنشأوا نقاطاً للتفتيش عند المرفأ في بيروت، وقابلها نقاط تفتيش أخرى للمسلمين، ماذا يعني ذلك؟
يعني ذلك أن تكون راكباً لميكروباص وتتجه للعمل بشكل عادي وأثناء مرورك في الشارع يخرج عليك مجموعة من المسلحين خافيين وجوههم، دون أن تعرف يتبعون لأي طائفة، وينزلونك بالإجبار من سيارتك ويطالبونك بإظهار هويتك أو بطاقتك ليتفحصوا خانة الديانة.
وأنت وحظك في هذا الموقف، لو كنت مسلماً ومن أوقفوك مسيحيين فسيقومون بقتلك، ولو مسيحياً فسيقوم المسلمون بقتلك، والمصيبة أن لو مررت بسلام من هذا الكمين فلن تستطيع النجاة من الذي يليله، وهذا لم يكن يحدث في الصحراء أو الأماكن الخارجة عن السيطرة بل في قلب العاصمة وما حولها.

هل قرأ من قبل عن الحرب الأهلية في لبنان؟ هل تعلم أنها كانت ساحة حرب بين أمريكا وروسيا أيام الحرب البادرة، العرب انحازوا لروسيا والمسيحيون انحازوا لأمريكا، دعم وعتاد سلاح وفتنة وقتل ودماء أدت لانقسام لبنان للمنطقة الشرقية والمنطقة الغربية، هل سمعت من قبل عن المافيا اللبنانية؟ وكل هذه المصائب حدثت وتحدث في دولة صغيرة نسبياً نسبة للدول المحيطة بها.

هل تعلم أن بسخريتك هذه على صور فتيات لبنان ولباسهن ولكنتهن المحببة للنفس التي كانت بسبب عوامل كثيرة أهمها «الشتات» و»الدم» الذي أريق في بلادهم خلال السنوات الأخيرة، فأنت بذلك تختزل قصة صراع وفساد سياسي وفتنة طائفية وعرقية وتاريخ أسود مليء بالدم والحروب بشكل ظالم جداً!
أنت بسخريتك والنكات التي تخرجها على تظاهرات اللبنانيين لم تقدر أن هذه ثورة يعيشها الشعب الآن وليست حفلة غنائية أو رقصاً!


هل تعلم لماذا يحب لبنان مصر والمصريين؟ ليس لأنكم «حلوين ورجال عسل وتؤبرلي هالعيون الوردية» لكن ببساطة تاريخك القديم والحديث مرتبط بهم، قديماً جداً كانت مصر ولبنان دولة واحدة تحت سلطة القدماء، في زمن الفينيقيين الذين كانوا يعيشون هناك، وكذلك العصور الوسطى عندما كان يحكمك في مصر أيوبي أو مملوكي كان يحكمهم هماك، هذا في الوقت الذي كانت فيه لبنان إمارة صليبية. 



والأهم أن مصر في القرن الـ19 احتوت النازحين من لبنان أيام «سوريا العثمانية» عندما قامت الدولة العثمانية باضطهاد المسيحيين واليهود في الشام، واللبنانيون والشوام في مصر لهم دور في النهضة التي حدثت في عالم الفن والغناء والتمثيل والتجارة، وكذلك لأن الفن في مصر كان هو المسيطر والأكثر انتشاراً بين الدول العربية، فإنهم يقدرون الشعب المصري بسبب الصورة الثقافية التي توارثوها من الأغاني والمسرحيات والرواية.


عمر الشريف «ميشيل شلهوب»، توجو مزراحي «يهودي مزراحي في لبنان، فريد الأطرش وأسمهان، يوسف شاهين، هنري بركات وبشارة واكيم وأنور وجدي وآسيا وبديعة مصابني وماري كويني وصباح، وجورج أبيض ومي زيادة وجورجي زيدان وغيرهم، لن أتحدث عن إسهامهم في الطباعة والنشر، ولا المحلات التجارية، كل هذه الأسماء كانوا شواماً ولبنانيين والله.



دولة يقدر عدد مغتربيها وشتاتها بـ١٨ مليون لبناني يعيشون في دول مختلفة عن دولتهم التي يبلغ عدد سكانها في الداخل 4 ملايين فقط، بسبب حروب واضطهاد وفساد اقتصادي، هل تعلم أن البرازيل فقط بها ١٠ ملايين لبناني؟ أرقام مهولة لم تحدث في فلسطين ولا العراق ولا سوريا نفسها بعد الأحداث الأخيرة.

«الألش والإفيهات» وإخراج النكات مسل ومضحك ولا نختلف عليه، لكن لا يكون التهريج والهزال على مظاهرات اللبنانيين وعلى لباسهم وشكلهم وجمال فتياتهم وكأنهم شعب مرفه خرج إلى مظاهرة لأنه يشعر بالملل، هو الوحيد المسيطر وأنا لا أعتبره إلا  توجهاً ذكورياً واحداً خارجاً من بعض المحرومين جنسياً لا أكثر ولا أقل،  
على الأقل وأنت تخرج النكات وتشاركها على السوشيال ميديا، اعرف جيداً أنها دولة عاشت الكثير من المآسي في تاريخها وأنه شعب عانى من الظلم والدم والحروب والشتات ولا تجعل هزالك صورتهم الوحيدة المتداولة بيننا وبينهم.

وتفهم هذا جيداً عندما ترى صورة لمتظاهرة لبنانية واعية ومتحضرة وجميلة كالتي في الصورة هذه، وتعرف أنها عمرها ما كانت لتخرج بهذا الشكل إلا بعد ألف درس تعلمته من الدماء والحروب والفتن والتقسيم والاحتلال.